الشيخ محمد رشيد رضا

362

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

على النار ليعرف الزيف من النضار . وحجر الصائغ الذي يختبرهما به يسمى الفتانة . والفتنة تكون بالمحن والشدائد غالبا . وقد تكون بالاستمالة بالشهوات فان الصبر عن الشهوات قد يكون أعسر من الصبر على الشدائد ومعنى لا يفتننكم الشيطان - لا تغفلوا عن أنفسكم ووسوسته لكم فتمكنوه بذلك من خداعكم بها وايقاعكم في المعاصي كما وسوس لابويكم آدم وحواء فزين لهما معصية ربهما ، ففتنهما حتى عصياه بالاكل من الشجرة التي نهاهما عنها ، فكان ذلك سببا لخروجهما من الجنة التي كانا يتمتعان بنعيمها ، ودخلا في طور آخر من الحياة يكابد ان فيها شقاء المعيشة وهمومها . وان الفتنة التي تحرم المفتون من دخول الجنة أسهل من الفتنة التي تخرج من الجنة ولا سيما إذا تفاوت نعيم الجنتين ومدة اللبث فيهما ( يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما ) أي اخرجهما من الجنة حال كونه نازعا عنهما لباسهما - اي سببا لنزع ما اتخذاه لباسا لهما من ورق الجنة لأجل ان يريهما سوآتهما أو لتكون عاقبة ذلك اراءتهما سوآتهما دائما . ويفهم من هذا ما هو المعقول من أنهما كانا يعيشان بعد الخروج منها عريانين إذ ليس في الأرض ثياب تصنع ، وما ثم الا ورق الشجر حيث يوجد . ولا نعلم أكان يوجد في الأرض شجر ذو ورق عريض في غير الجنة التي أخرجا منها ؟ وجميع الباحثين في طبائع الاجتماع وعاديات البشر وآثارهم يجزمون بأنهم كانوا قبل الاهتداء إلى الصناعات يعيشون عراة وأن أول ما اكتسبوا به ورق الشجر وجلود الحيوانات التي يصطادونها ، ولا يزال في المتوحشين منهم من يعيش كذلك ، وهذا الذي قلناه يدل عليه جعلهم ( يَنْزِعُ ) حالا من فاعل يخرج ومثله جعله حالا من أبويكم الذي هو مفعول يخرج ، ولكن جميع ما اطلعنا عليه من أقوال المفسرين يجعل ما هنا عين ما تقدم من ظهور سوآتهما لهما عقب الاكل من الشجرة قبل الاخراج من الجنة الذي كان بعد سترهما سوآتهما بما خصفا عليهما من ورقها ، والمتبادر أن هذا غير ذلك ، وهنالك لم يقل انه كان عليهما لباس فنزع وانما كان شيء موارى فظهر فصار كل منهما يرى من نفسه ومن الآخر ما لم يكن يرى وقد جعل بعضهم هذا اللباس حسيا ، وجعله بعضهم معنويا ، فروي عن ابن عباس وعكرمة أن لباسهما كان الظفر وأنه نزع عنهما بسبب الاكل من الشجرة وتركت الأظفار في رؤوس الأصابع تذكرة وزينة ، وعن وهب بن منبه أنه كان عليهما نور يمنع رؤية السوأتين وهو المراد بلباسهما ، وقد بينا